فخر الدين الرازي
155
تفسير الرازي
* ( لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ) * . والثاني : في باطنهم وهو قوله تعالى : * ( لسعيها راضية ) * وفيه تأويلان أحدهما : أنهم حمدوا سعيهم واجتهادهم في العمل لله . لما فازوا بسببه من العاقبة الحميدة كالرجل يعمل العمل فيجزى عليه بالجميل ، ويظهر له منه عاقبة محمودة فيقول ، ما أحسن ما عملت ، ولقد وفقت للصواب فيما صنعت فيثنى على عمل نفسه ويرضاه والثاني : المراد لثواب سعيها في الدنيا راضية إذا شاهدوا ذلك الثواب ، وهذا أولى إذ المراد أن الذي يشاهدونه من الثواب العظيم يبلغ حد الرضا حتى لا يريدوا أكثر منه ، وأما وصف دار الثواب ، فاعلم أن الله تعالى وصفها بأمور سبعة : * ( فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) * . أحدها قوله : * ( في جنة عالية ) * ويحتمل أن يكون المراد هو العلو في المكان ، ويحتمل أن يكون المراد هو العلو في الدرجة والشرف والمنقبة ، أما العلو في المكان فذاك لأن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض ، قال عطاء : الدرجة مثل ما بين السماء والأرض . * ( لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ) * . وثانيها : قوله : * ( لا تسمع فيها لاغية ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في قوله : لا تسمع ثلاث قراآت أحدها : قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب لاغية بالنصب والمخاطب بهذا الخطاب ، يحتمل أن يكون هو النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون لا تسمع يا مخاطب فيها لاغية ، وهذا يفيد السماع في الخطاب كقوله : * ( وإذا رأيت ثم رأيت ) * ( الإنسان : 20 ) وقوله : * ( إذا رأيتهم حسبتهم ) * ( الإنسان : 19 ) ويحتمل أن تكون هذه التاء عائدة إلى وجوه ، والمعنى لا تسمع الوجوه فيها لاغية وثانيها : قرأ نافع بالتاء المنقوطة من فوق مرفوعة على التأنيث لاغية بالرفع وثالثها : قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا يسمع بالياء المنقوطة من تحت مضمومة على التذكير لاغية بالرفع ، وذلك جائز لوجهين الأول : أن هذا الضرب من المؤنث إذا تقدم فعله . وكان بين الفعل والاسم حائل حسن التذكير ، قال الشاعر : إن امرءاً غره منكن واحدة * بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور والثاني : أن المراد باللاغية اللغو فالتأنيث على اللفظ والتذكير على المعنى . المسألة الثانية : لأهل اللغة في قوله : * ( لاغية ) * ثلاثة أوجه أحدها : أنه يقال : لغا يلغو لغواً ولاغية ، فاللاغية واللغو شيء واحد ، ويتأكد هذا الوجه بقوله سبحانه : * ( لا يسمعون فيها لغواً ) * ( مريم : 62 ) ، وثانيها : أن يكون صفة والمعنى لا يسمع كلمة لاغية وثالثها : قال الأخفش : لاغية أي كلمة ذات لغو كما تقول : فارس ودارس لصاحب الفرس والدرع ، وأما أهل التفسير فلهم وجوه أحدها : أن الجنة منزهة عن اللغو لأنها منزل جيران الله تعالى وإنما نالوها بالجد والحق لا باللغو والباطل ، وهكذا كل مجلس في الدنيا شريف مكرم فإنه يكون مبرأ عن اللغو وكل ما كان أبلغ في هذا كان أكثر جلالة ، هذا ما قرره القفال والثاني : قال الزجاج لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة